الشيخ محمد علي طه الدرة
579
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وقال الزجّاج : القرض في اللغة : البلاء الحسن ، والبلاء السيئ . قال أميّة بن أبي الصّلت : [ البسيط ] كلّ امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيّئا ، ومدينا مثل ما دانا وقال آخر : [ المتقارب ] تجازى القروض بأمثالها * فبالخير خيرا وبالشّرّ شرّا وطلب القرض في هذه الآية وأمثالها إنّما هو تأنيس ، وتقريب للنّاس بما يفهمون ، واللّه هو الغنيّ الحميد ، لكنّه تعالى شبّه إعطاء المؤمنين المال ، وإنفاقهم في الدّنيا الذي يرجون ثوابه بالقرض ، كما شبّه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنّة بالبيع والشراء ، كما ذكر اللّه بقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . . . إلخ الآية رقم [ 111 ] من سورة ( التوبة ) ، وكما كنى اللّه سبحانه وتعالى عن الفقير بنفسه العلية المنزّهة عن الحاجات ترغيبا في الصّدقة ، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدّسة عن النقائص والآلام ، ففي صحيح الحديث إخبارا عن اللّه تعالى : « يا بن آدم مرضت فلم تعدني ، استطعمتك فلم تطعمني ، استسقيتك فلم تسقني ، وقال : يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما إنّك لو سقيته لوجدت ذلك عندي » . أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، وهذا كلّه خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به . ويجب على المستقرض ردّ القرض ؛ لأنّ اللّه تعالى بيّن : أنّ من أنفق في سبيل اللّه لا يضيع عند اللّه ، بل يردّ الثواب قطعا ، وأبهم الجزاء ، وقد بيّن اللّه تعالى في الآية رقم [ 261 ] الآتية : أنّ النفقة في سبيل اللّه تضاعف إلى سبعمئة ضعف وأكثر ، وقال ها هنا : فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وهذا لا نهاية له . وعن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « رأيت ليلة أسري بي على باب الجنّة مكتوبا : الصّدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر ، فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصّدقة ؟ قال : لأنّ السّائل يسأل ، وعنده ما يكفيه ، والمستقرض لا يستقرض إلّا من حاجة » . أخرجه ابن ماجة ، وفي رواية : « ما بال القرض أفضل من الصّدقة ، وهو يعود ، والصّدقة لا تعود ؟ ! » . ولكن في هذه الأيام القرض ضال إلا ما ردّه اللّه ، وذلك لسوء معاملة الناس . هذا وقال العلماء في القرض بمعنى الصدّقة : لا يكون القرض حسنا حتى تجتمع فيه أوصاف عشرة ، وهي : أن يكون المال من الحلال ، وأن يكون من أجلّ المال ، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه ، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها ، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك ، وأن لا تتبعها بالمنّ ، والأذى ، وأن تقصد بها وجه اللّه ، ولا ترائي بها النّاس ، وأن تستحقر ما تعطي ؛ وإن كان كثيرا ، وأن يكون من أحبّ أموالك إليك ، وألا ترى عزّ نفسك ، وذلّ الفقير ، وخذ ما يلي :